صديق الحسيني القنوجي البخاري

85

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَآخَرِينَ مِنْهُمْ مجرور عطفا على الأميين ، أي بعثه في الأميين الذين على عهده ، وبعثه في آخرين منهم ، أو منصوب عطفا على الضمير المنصوب في يعلمهم ، أي ويعلم آخرين ، وكل من يعلم شريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى آخر الزمان ، فرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معلمه بالقوة لأنه أصل ذلك الخير العظيم ، والفضل الجسيم ، أو عطفا على مفعول يزكيهم أي يزكيهم ويزكي آخرين والمراد بالآخرين من جاء بعد الصحابة إلى يوم القيامة ، وقيل : المراد بهم من أسلم من غير العرب ، وقال عكرمة : هم التابعون ، وقال مجاهد : الناس كلهم وكذا قال ابن زيد والسدي . لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ذلك الوقت وسيلحقون بهم من بعد ، وقيل : في السبق إلى الإسلام والشرف والدرجة وهذا النفي مستمر دائما لأن الصحابة لا يلحقهم ولا يساويهم في شأنهم أحد من التابعين ، ولا ممن بعدهم ، فالمنفي هنا غير متوقع الحصول ، ولذلك لما ورد عليه أن لما تنفي ما هو متوقع الحصول ، والمنفي هنا ليس كذلك ، فسرها المحلي بلم التي منفيها أعم من أن يكون متوقع الحصول أولا ف لَمَّا هنا ليست على بابها ، والضمير في بهم ومنهم راجع إلى الأميين ، وهذا يؤيد أن المراد بالآخرين هم من يأتي بعد الصحابة من العرب خاصة إلى يوم القيامة ، وهو صلى اللّه عليه وسلم وإن كان مرسلا إلى جميع الثقلين فتخصيص العرب هنا لقصد الامتنان عليهم ، وذلك لا ينافي عموم الرسالة ويجوز أن يراد بالآخرين العجم لأنهم وإن لم يكونوا من العرب فقد صاروا بالإسلام مثلهم ، والمسلمون كلهم أمة واحدة ، وإن اختلفت أجناسهم . وعن أبي هريرة قال « كنا جلوسا عند النبي صلى اللّه عليه وسلم حين نزلت سورة الجمعة فتلاها ، فلما بلغ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قال له رجل : يا رسول اللّه من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا ؟ فوضع يده على سلمان الفارسي وقال : والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء » « 1 » أخرجه البخاري وغيره ، وأخرجه أيضا مسلم « 2 » من حديثه مرفوعا بلفظ : لو كان الإيمان عند الثريا لذهب به رجال من فارس أو قال من أبناء فارس . وعن قيس بن سعد بن عبادة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لو كان الإيمان بالثريا لناله ناس من أهل فارس » ، أخرجه سعيد بن منصور وابن مردويه . وعن سهل بن سعد قال : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن في أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالا ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب ، ثم قرأ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ » .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 62 ، باب 1 ، والترمذي في تفسير سورة 62 ، باب 1 ، والمناقب باب 70 ، وأحمد في المسند 2 / 417 . ( 2 ) كتاب فضائل الصحابة حديث 230 .